مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

60 طناً من "الموت المعلب".. هل ننتظر الكارثة؟



صرخة لإنقاذ "الأمن القومي الغذائي" ودعوة لمبادرة : "غذاء آمن.. لحياة كريمة"


لا يمكن أن تمر أخبار "ضبطيات اللحوم الفاسدة" مرور الكرام، ولا ينبغي لنا كصحفيين، نحمل أمانة الكلمة ونبض الشارع، أن نتعامل مع رقم "2 طن" من السموم كأنه مجرد إحصائية في بيان رسمي روتيني. نحن هنا لا نتحدث عن مخالفة إدارية، أو تهرب ضريبي، أو بناء مخالف يمكن تصالحه؛ نحن نتحدث عن "شروع في قتل جماعي" مع سبق الإصرار والترصد. نحن نتحدث عن ضمائر ميتة، قررت أن تملأ كروشها من دماء الغلابة وصحة أطفالهم، ضاربة عرض الحائط بكل القيم الدينية والإنسانية والوطنية.
سيناريو الموت.. والحسبة المرعبة
على مدار أسبوعين، كشفت الحملات التفتيشية المكثفة لمديرية الطب البيطري بالمنوفية، بتوجيهات حاسمة من اللواء عمرو الغريب محافظ المنوفية، عن كارثة بكل المقاييس: ضبط ما يقرب من 2000 كيلوجرام من اللحوم والدواجن والأسماك "غير الصالحة للاستهلاك الآدمي".
توقفوا معي قليلاً عند هذا الرقم.. وبحسبة بسيطة، إذا افترضنا –من واقع الرصد الصحفي والمتابعة الميدانية– أن هذا هو حال محافظة واحدة من محافظات مصر الـ 27، فنحن بصدد كارثة قومية تقدر بما يقرب من 60 طناً (60,000 كيلوجرام) من السموم التي كانت في طريقها لتستقر في أمعاء المصريين! هل تتخيلون حجم الفاتورة الصحية التي ستدفعها الدولة من ميزانية علاج الفشل الكلوي، والتسمم الحاد، والسرطانات؟ هل تتخيلون كم مائدة في بيوت البسطاء كانت ستتحول من فرحة بـ "لقمة هنية" إلى مأتم وعويل؟ هذا ليس مجرد "غش تجاري"، هذا "إرهاب غذائي" يغتال مستقبل هذا الوطن في أغلى ما يملك.. صحة أبنائه.
تجار الموت.. ومن أمن العقاب أساء الأدب
السؤال الذي يهز أركان المجتمع بحدة: لماذا يجرؤ هؤلاء على تكرار هذه الجرائم رغم الحملات المستمرة؟ الإجابة واضحة كالشمس: لأن العقوبة الحالية "نكتة" سمجة لا تردع أحداً.
إن القوانين التي تنظم قمع الغش والتدليس أصبحت نصوصاً مهترئة من العصر الماضي، لا تخيف "حيتان التجارة" الذين يربحون الملايين من وراء تجارة السموم. فحين تكون العقوبة غرامة بضعة آلاف من الجنيهات، يضعها التاجر الفاسد بكل بجاحة ضمن "مصاريف التشغيل" ويستمر في نشاطه الإجرامي. نحن أمام ثغرات قانونية ينفذ منها هؤلاء الشياطين، ليخرجوا بـ "كفالة" أو "غرامة هزيلة" ليعاودوا ذبح وبيع الموت للناس مرة أخرى.
أين نواب الشعب من هذه المقصلة؟
وهنا أوجه نقدًا لاذعًا، وبكل حدة، إلى السادة أعضاء مجلس النواب، وبالأخص نواب محافظة المنوفية. أين أنتم؟ ما هو دوركم الحقيقي تحت قبة البرلمان إذا لم تكن حماية أرواح المواطنين على رأس أولوياتكم؟
لقد ملَّ الشعب من دور "النائب الخدمات" الذي يكتفي بالتوقيع على طلب أو حضور مناسبة اجتماعية. الدور الأصيل والوحيد الذي ننتظره منكم الآن هو "الثورة التشريعية". أين هي مشروعات القوانين التي تغلظ العقوبات لتصل إلى السجن المؤبد والمصادرة الشاملة لكل من يثبت تعمده الاتجار بأغذية فاسدة؟ إن صمتكم عن تحديث هذه القوانين هو "تغاضٍ غير مقبول" عن دماء تراق وصحة تنهار.
دعوة لمبادرة: "غذاء آمن لجمهورية جديدة"
إن حجم الكارثة (60 طناً مفترضة) يتجاوز قدرة المحاضر التقليدية، ولذا نرفع صرختنا للقيادة السياسية، التي لا تدخر جهداً في بناء "حياة كريمة" للمصريين، لإطلاق مبادرة عاجلة تحت مسمى (غذاء آمن.. لحياة كريمة)، ترتكز على محاور قاطعة:
1.    تشكيل "الكوماندوز الرقابي": لجان عليا مشتركة تضم (الطب البيطري، الصحة، التموين) مدعومة بقوات أمنية، تشن غارات مفاجئة على المخازن والمبردات الكبرى في كافة المحافظات، وتملك صلاحية الإغلاق الفوري والشامل.
2.    قانون "الإعدام التجاري": تشريع عاجل يقضي بمصادرة "المنشأة" بالكامل لصالح الدولة، والمنع الأبدي لصاحبها من أي نشاط تجاري، مع تحويل الواقعة من "جنحة" إلى "جناية أمن دولة".
3.    التشهير بـ "قائمة العار": نشر أسماء المخالفين وصورهم ومنشآتهم في الجرائد الرسمية وعلى الشاشات، فمن لا يردعه الضمير، قد يردعه الخوف من الفضيحة وخسارة الزبائن.
4.    الرقابة الرقمية (كود الصلاحية): نظام إلكتروني قومي يربط كل كيلو لحم يخرج من المجازر بـ "باركود" يتيح للمواطن التأكد من مصدره وصلاحيته عبر هاتفه المحمول.
تحية لرجال الظل في المنوفية
لا يفوتني أن أحيي الرجال الذين يعملون في صمت وسط بيئة مليئة بالمخاطر والضغوط. ما يفعله اللواء عمر الغريب محافظ المنوفية، واللواء ماجد فتحي عبد الظاهر مدير مديرية الطب البيطري، وفريق "الصحة العامة والمجازر"، هو جهد بطولي يبرهن على أن هناك "شرفاء" يقفون حائط صد أمام الفساد. ولكن، اليد الواحدة لا تصفق؛ فإذا لم يدعم هذا الجهد التنفيذي بظهير تشريعي قوي، سنظل ندور في حلقة مفرغة.
ختاماً..
يا سادة، نحن نبني "جمهورية جديدة" قوامها الإنسان، ولا يمكن لجمهورية تبني ناطحات السحاب والمصانع، أن تترك مواطنها البسيط فريسة لـ "مافيا" لا ترحم. صحة المصريين خط أحمر، ومن يقترب منها لا بد أن تُقطع يده بنصل القانون الناجز.
ننتظر تحركاً يوازي حجم الفاجعة، ونريد أن نرى "أختام الشمع الأحمر" تنهي أسطورة كل من تسول له نفسه أن يطعمنا "المرض" ليحصد هو "المال".
حفظ الله مصر.. وشعبها الأبي.. من كل سوء